محمد بن عبد الله الصفار
103
رحلة الصفار إلى فرنسا
الذكور والإناث كما هو حال أغلب الوقائع الاجتماعية . وكان يعتبر غياب الحواجز بداخل المجال المكون للحمام ، وإتاحته حرية المرور والالتقاء بين الأفراد وأجسادهم عارية ، شيئا لائقا ولا عيب فيه . وبعبارة أخرى ، كان الحمام مسألة تدخل في إطار اهتمامات الناس بصفتهم يمثلون جماعة وليس بقضية شخصية تخص الفرد وحده . ومع إعجاب الصفار الكبير بالطابع التكنولوجي المميز للحمام ، فإنه ظل غير مقتنع بضرورة الانفراد والانعزال أثناء الاستحمام . وأشار الصفار ملمحا إلى أن تلك المميزات التكنولوجية ربما لم توظف في محلها المناسب ، إذ كان بالإمكان استغلال تجهيزات من ذلك القبيل بطريقة أكثر نفعا ، كتمكين المرء من القيام بالشعائر التي كانت بالفعل غير متوافرة . وأصبحت درجة الارتباك إزاء الحدود المجالية الفاصلة أكثر ارتفاعا ، حينما تعلق الأمر بالعلاقات القائمة بين الرجال والنساء ، والتي اختلفت المقاييس المتحكمة فيها بشكل جذري عما هو سائد في المغرب . ويبدو أن استيعاب الصفار لدروسه كان سريعا في هذا الإطار ، بل نجده تواقا إلى مشاطرتنا إياه تلك المعرفة المكتسبة . لقد تقمص الصفار دور المرشد المعين ، وشرع في توجيه النصائح لنا حول كيفية معاملتنا للنساء بالطريقة المناسبة لو كتب لنا نحن أيضا أن نكون يوما ما في فرنسا ، فقال ما يلي : « وأما العفيفات منهن ، فإن من دخل بيت زوجها وهي هنالك ، فإنه لا يعد من الظرفاء والأدباء إلا إذا أبدأها بالتحية وخاطبها خطاب مباششة وملاطفة في عفة . وبذلك ينشط زوجها ويزداد عنده فاعل ذلك رفعة ومحبة » « 1 » . إن الأمور قد انقلبت تماما هنا رأسا على عقب ، لأن الصفار الذي ينتمي إلى ثقافة تقليدية يعتبر فيها اللقاء بين الرجل والمرأة من قبيل الأشياء النادرة ، يجد أمامه إمكانات عديدة للتفاعل مع النساء الفرنسيات اللواتي كن عنده موضع إعجاب وتقدير كبيرين . هذا في الوقت الذي كانت فيه النساء في المغرب يضعن الخمار على وجوههن أثناء وجودهن خارج البيت حتى يكن محجوبات كليا عن العيون ، بل وكن يظللن حبيسات الجدران والأبواب لكي لا يصبحن عرضة للمشاهدة المفضوحة بأعين الغرباء . أما في فرنسا ، فإن هناك غياب يكاد يكون مطلقا لمثل تلك الحدود الفاصلة بين الطرفين . إذ تختلط النساء مع الرجال في الصالونات ، ويتزين بملابس تكاد لا
--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب .